جيمس ستافريديس
سيناريوهات المواجهة البحرية بين أميركا والصين
الاثنين 3 مايو 2021 الساعة 23:56
جيمس ستافريديس
خرجت في أول رحلة بحرية عندما كنت ضابطاً صغيراً حديث التخرج من الأكاديمية البحرية الأميركية في منتصف سبعينات القرن الماضي. وكانت أولى المهام البحرية تتعلق بالإبحار غرباً من سان دييغو في الولايات المتحدة على متن مدمرة حربية جديدة من طراز «سبروانس». وباعتباري ضابطاً بحرياً في خضم حقبة الحرب الباردة، شعرت بخيبة أمل عارمة لأنَّ المدمرة التي أستقلها لم تصدر لها الأوامر بالإبحار صوب مياه شمال المحيط الأطلسي لمجابهة الأسطول البحري السوفياتي المتغطرس هناك. وبدلاً من ذلك، كانت الرحلة البحرية الأولى التي استغرقت ستة شهور كاملة تدور في مياه غرب المحيط الهادي، وتلك المياه القريبة من أستراليا، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وتايوان.

كان أبعد ما يمكن أن يجول بخاطرنا في تلك الأوقات نشوء تهديد عسكري خطير من «الصين الشيوعية» (تماماً كما كنا نطلق عليها في تلك الأيام). وكانت الصين في تلك الآونة تملك أسطولاً بحرياً ساحلياً قوياً إلى درجة ما، غير أن السفن الحربية والطائرات التابعة لما يُعرف بجيش التحرير الشعبي الصيني لم تكن تشكل أي منافسة مهمة على أي مستوى يُذكر.

بيد أن الأمور قد اعتراها التغيير الملحوظ منذ تلك الأثناء. على مدار مسيرتي المهنية في القوات البحرية، كنت أراقب الصين من كثب، وهي تحاول بكل ذكاء وتأنٍ ودهاء التحسين من كل جوانب قدراتها البحرية. ولقد شهدت هذه التوجهات تسارعاً كبيراً خلال السنوات العشر الماضية، مع توسيع الصين لعدد السفن الحربية المتطورة التي تملكها، وانتشارها في كل أرجاء المنطقة المحيطة بها، مع بناء الجزر الصناعية للاستعانة بها كقواعد عسكرية متقدمة في بحر الصين الجنوبي. لقد تحولت الصين الآن إلى قوة منافسة ومناظرة للولايات المتحدة في تلك المياه، ما ينطوي بدوره على مخاطر حقيقية وجسيمة. وعليه، فإنني ألحظ أربع مناطق بحرية مستحقة لصفة «بؤر التوتر»، وهي التي من المحتمل أن تندفع القوات البحرية الصينية فيها بمغامرات عسكرية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وشركائها، وأصدقائها. ألا وهي: مضيق تايوان، واليابان، وبحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، وكذلك المياه البعيدة حول البلدان المجاورة للصين، بما في ذلك إندونيسيا، وسنغافورة، وأستراليا، والهند.

تتمثل الأولوية الإقليمية القصوى لدى الجيش الصيني في ضمان قدرته على التحكم وبسط السيطرة في البحر مع إظهار القوة البحرية الواضحة حول تايوان. وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ مع القيادة الصينية قد تعهدوا إعادة المقاطعة المنشقة إلى أحضان الوطن الأم. وعلى الرغم من آمالهم المنعقدة على تحقيق ذلك عبر التأني والصبر الطويل - مع محاولات إخماد الدعم الدولي إلى تايوان - فسوف يكونون على أهبة الاستعداد للجوء إلى القوة العسكرية إذا لزم الأمر في وقت ما. وفي شهادة قُدمت حديثاً أمام الكونغرس، صرح الأدميرال فيل ديفيدسون، رئيس قيادة المحيطين الهندي والهادي لدى وزارة الدفاع الأميركية، بأنه يقدر لجوء القيادة الصينية إلى العمل العسكري لاستعادة تايوان في غضون ستة أعوام من الآن. وتواصل الحكومة التايوانية رصد الانتهاكات الصينية للاتفاقية التي جرى التفاوض بشأنها مع المملكة المتحدة في عام 1997 والتي تقضي باتباع نظام الدولة الواحدة ذات النظامين مع هونغ كونغ. وهم يراقبون الأوضاع هناك من واقع إدراكهم أن مستقبلهم داخل الصين الكبرى سوف ينطوي ولا بد على فقدان الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعليه، مع وجود تايوان على مسافة أكثر من 8 آلاف ميل بحري من ولاية هاواي الأميركية ولكنها على مسافة لا تزيد على 100 ميل بحري فقط من البر الصيني الرئيسي، فإن التحديات التي تواجه القوات البحرية الأميركية جراء ذلك كبيرة وعميقة. يعتمد دعم الولايات المتحدة لأمن واستقرار على سياسات الحزبين الكبيرين في البلاد - غير أن سياسة الغموض الاستراتيجي المعتمدة لدى الولايات المتحدة منذ زمن طويل، مع الدعم العسكري لتايوان من دون التزام رسمي بالدفاع المباشر عنها، كل ذلك يشكل حالة خطيرة من الغموض وعدم اليقين. ومن شأنها أن تسفر عن سوء تقدير للأمور من قبل القيادة الصينية (أو من الحكومة التايوانية نفسها) ومن ثم تؤدي إلى انفجار في الأوضاع ينشأ عنه صراع عسكري كبير. إذا حاولت الصين إنهاء مسألة الاستقلال التايواني باللجوء إلى القوة العسكرية، فسوف يكون أول أهدافها في ذلك هو تحييد القدرات العسكرية الأميركية القادرة على الدفاع عن جزيرة تايوان. ومن شأن مثل هذه الاستراتيجية العمل على تحقيق مبدأ «منع الدخول والحرمان من الوصول» باستخدام التدابير الدفاعية للإبقاء على القدرات البحرية الأميركية الممتدة بالفعل على مسافة أمان تسمح للقوات الصينية بالعمل بحرية أكبر. (أحاطت وزارة الدفاع الأميركية الكونغرس الأميركي بهذا الأمر على نحو جيد للغاية في تقريرها الأخير بشأن القدرات العسكرية الصينية الحالية).

ومن شأن الخطة العسكرية الصينية أن تشتمل على الدفع بعدد من السفن الحربية من شاكلة الطرادات، والمدمرات، والفرقاطات، والتي تتمتع جميعها بقدرات كبيرة على توجيه صواريخ سطح - أرض المدمرة، بالإضافة إلى صواريخ كروز فائقة القدرة، مع الصواريخ الباليستية الأرضية والبحرية، بما في ذلك عدد متزايد من الصواريخ الفائقة لسرعة الصوت (تلك التي تتحرك بسرعات تفوق سرعة الصوت بعدة مرات، والتي تفتقر القدرات العسكرية الأميركية الراهنة لدفاعات موثوقة حيالها)، فضلاً عن قدرات الحرب الإلكترونية الموجهة ضد أنظمة القيادة والسيطرة والملاحة الأميركية وضد نظام التموضع العالمي، إلى جانب الأسلحة المتطورة المضادة للأقمار الصناعية للإقلال من الاستعانة بقدرات الاستخبارات والإنذار المبكر لدى القوات الأميركية.

ومن غير المرجح للقوات الصينية الشروع في عملية غزو برمائية لشواطئ تايوان، فهي عملية صعبة ومعقدة للغاية. عوضاً عن ذلك، من المحتمل أن تدور خطة الهجوم الصيني حول توجيه ضربة خاطفة تحقق فرض السيطرة البحرية حول تايوان، ثم الانتقال إلى عمليات ذات أهداف أقل. حيث يمكن القيام بذلك عبر الدفع بوحدات من القوات الخاصة مع ربطها بالخلايا النائمة من عناصر الكوماندوز الصيني المنتشرة بالفعل داخل الجزيرة، مع إحكام السيطرة على المطارات، والنقل الجوي بواسطة قوة عسكرية قادرة. وفي آونة موازية، تستعين القوات الصينية بصواريخ أرض - أرض، والقوات الجوية بغية تدمير أنظمة الدفاع الجوي في تايوان. وربما يتمكن التايوانيون من المحافظة على أراضيهم لفترة من الوقت، غير أن القوة الصينية الغاشمة سوف تغلب عليهم في خاتمة المطاف. إذا تخيرت القيادة الأميركية التدخل والرد بقوة عسكرية مباشرة - وهو مجرد احتمال ليس أكثر - فسوف يبدأ التحرك الأميركي من البحر أولاً، من خلال استهداف السفن الحربية الصينية للإقلال من قدرتها على توجيه الضربات الأرضية. وسوف تحاول الولايات المتحدة حماية تايوان بنشر السفن الحاملة للصواريخ الباليستية، ثم التحرك على وجه السرعة لتعزيز القواعد الأميركية الأمامية في غوام، وكوريا الجنوبية، واليابان، مع ضمان استمرار الاتصالات في البيئة فائقة التداخل والتنافس على الصعيدين الفضائي والسيبراني. ومن شأن الولايات المتحدة أيضاً توجيه الضربات المباشرة ضد القواعد الصينية المتقدمة في بحر الصين الجنوبي بالاستعانة بوحدات «سيل» ووحدات «مارين ريدرز» الخاصة، ما يشتت تركيز الصين على أصولها العسكرية المنتشرة ويسحب الانتباه بعيداً عن تايوان.

من سوف يحوز النصر في هذا الصراع؟ أستطيع القول إن رهاني سوف يكون إلى جانب الجيش الأميركي من دون شك، غير أن الأجواء العامة لا تتحرك صوب الاتجاه الصحيح في كل الأوقات.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

نقلا عن الشرق الأوسط

تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص