د. عبده سعيد المغلس
اشكالية القراءة نكبة المسلمين (١-٢) (٢-٢)
السبت 17 ابريل 2021 الساعة 17:35
د. عبده سعيد المغلس
أول أمر نزل على رسول الله محمد (ص) هو "اقرأ" وهو أمر مخالف لكل من سبقه من الرسل، والتي كانت رسالاتهم تبدأ بالتوحيد "أن اعبدوا الله" وهذا ما يميز الرسالة الخاتم، التي بها اكتمل بها دين الله وتمت نعمة الله على الإنسانية، فبدأت برسالة "اقرأ" مفتاح المعرفة الكونية والإنسانية جناحي الاستخلاف.

لكن الملاحظ تخلف الأمة عن هذه المعارف والدور لغياب القراءة والتدقيق فيما يُكتب.

انتقد البعض ما كتبت وذهبت بهم الضنون والجهل مذاهب شتى وما كتبته يتحدث عن حقائق هي:

الحقيقة الأولى:

غياب خطب الجمعة للرسول عليه الصلاة والسلام طوال فترة دعوته، وهذه حقيقة لا أحد ينكرها، وليس لها من تبرير غير حقيقة منطقية أكيدة وهي أن هناك نهي عن كتابة غير القرآن، والا فكيف نبرر وجود الأقوال المنسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام، عن علاقاته بزوجاته ومباشرتهن في كتب التراث، وغياب خطب الجمعة، فهل من المعقول أنه ضمن رسالة تبليغ الرسول لهذا الدين أن يتحدث من وصفه الله ب "الخلق العظيم" عن طبيعة معاشرته لزوجاته، ويأمر بتدوين ذلك ولا يأمر بتدوين خطب الجمعة التي كانت جزء أساسياً من إبلاغ الدعوة والرسالة، هذا أمر مستحيل ولا يليق بصاحب الخلق العظيم وخاتم الأنبياء والرسل.

الحقيقة الثانية:

كل ما نطقه الرسول (ص) هو وحي من الله وهو القرآن ونُهي عن كتابة غيره، وهذه الحقيقة أكدها قوله سبحانه في سورة النجم (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ*مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ*عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)النجم آيات من ١ حتى ٥.

وهنا لا يفرق الجهلة بين النطق والقول فهل حين يقرأ أحدهم أي آية من كتاب الله يقول "قال الله" أم "قال الرسول" قطعاً يقول قال الله لأن هذا هو قول الله وكلامه، وليس قول الرسول وكلامه، فكيف وصلنا من الله عن طريق الرسول؟ لقد وصلنا قول الله عن طريق نُطق رسول الله، وهنا نجد معجزة هذا الكتاب وصدق رسول الله، فلقد قال الله ونطق رسول الله، مما يؤكد أن القول من الله والنطق لرسوله، ولهذا عندما قلت انه تم النهي عن تدوين غير ما نطقه الرسول كنت أوكد على حقيقة تدوين وكتابة كتاب الله الذي نطقه رسوله، وقد علمه الله كيف يقرأه وينطقه يقول سبحانه في سورة النجم (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) النجم ١٦، ١٧، ١٨، ١٩. فهو كلام الله وقوله قرأه على رسوله وعلمه قراءته وهو سبحانه من يتولى بيانه والرسول هو من نطق الرسالة وبلغها للناس.

ولهذا ليس كل ما يقوله رسول الله بوحي، الوحي فقط هو ما نطقه رسول الله، لكتاب الله، وهذا يقودنا للحقيقة الثالثة.

اشكالية القراءة نكبة المسلمين (٢-٢)

الحقيقة الثالثة:

كارثة الأمة نشأت عن عدم التفريق بين قَوله عليه الصلاة والسلام ونُطقه فانطلقوا من آيتي النجم ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) تأسيساً بأن السنة التي هي بتعريفهم(كُلّ ما وَرد عن النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو سيرةٍ، أو صفة خَلقية أو خُلقية) هي وحي وهذا غير صحيح وينافي صريح آيات كتاب الله التي تؤكد على الأمور التالية، الأول بأن الوحي هو ما نطقه رسول الله من قول الله وكلامه وهو المصحف فقط من أول فاتحة الكتاب حتى الناس، كما تم ايضاحه، والثاني أن الله هو الذي تولى حفظه بقوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر ٩. والثالث أن الله منع رسوله من التقول عنه يقول سبحانه ((فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) الحاقة الآيات من ٣٨ حتى ٤٧).

وفي كثير من ما تم نسبه إلى رسول الله هناك أقوال تخالف آيات كتاب الله ومستحيل أن يكون قائلها محمد النبي العظيم (ص) فهناك أقوال مرتبطة به كرسول مبلغ الرسالة وهي الوحي، وأقوال مرتبطة به كنبي مشرع ومنظم بوصفه قائد الأمة والدولة، وهناك أقوال مرتبطة به كمحمد الإنسان، وهناك آيات الله قرآنا يُتلى تعاتبه لبعض قوله وفعله نورد هنا نموذجين في سورة عبس والأحزاب (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ* وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ) عبس الآيات من ١ حتى ١٠.

(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الاحزاب ٣٧.

وهذا يوصلنا للحقيقة الرابعة وهي معيار القول المنسوب للرسول عليه الصلاة والسلام.

الحقيقة الرابعة:

عندما نجد قولاً منسوبا للنبي (ص) يبرز سؤال منهجي ما هو المعيار الذي من خلاله نحكم على صدق نسبة هذا القول للنبي محمد وهل هو قوله صدقا؟ وكون محمد رسول من الله فالمعيار هو رسالته التي أرسله الله ليبلغها للناس وهي "كتاب الله"، وهو محفوظ من الله كما قال الله، ومستحيل أن يتقول الرسول على الله بل وممنوع عليه ذلك كما قال الله، ووفقاً لذلك فأي أمر منسوب للنبي محمد (ص) يجب عرضه على كتاب الله فما وافقه فهو منه عليه الصلاة والسلام وما لم يوافقه فليس منه، هذا هو معياري لما هو صحيح السنة فلست منكراً لصحيح السنة كما قال البعض، بل منكراً للكذب على رسول الله ودين الله، كما هو فيما نسب لله ورسوله، في أمور كثيرة منها الإمامة واهل البيت والمودة في القربى وغيرها الكثير.

د عبده سعيد المغلس

تعليقات القراءالتعليقات المنشورة لا تعبر عن الموقع وإنما تعبر عن رأي اصحابها.
شارك برأيك
الأسم
الموضوع
النص